السبت، 22 مارس 2014

كوكب مصر (5)


16


عادت كوثر من الكلية منهكة تبحث عن أي شئ تأكله قبل ان تخلد الي النوم ، حركة مريبة في البيت وشخص يجلس في الصالون يلبس بدلة انيقة وتفوح رائحة العطر من جميع الاتجاهاهت ، وامامه علبة من الحلوي صغيرة ومستديرة ومحاطة بالحبال من كل جانب كانه يخشي عليها من الفرار ، وتجلس بجانبه امرأة جاوزت سن الخمسين وعلي ثغرها ابتسامة دائمة لا تدري لها سبب واتسعت قليلاً عند رؤيتها لكوثر ، تجاهلت كوثر كل ذلك واتجهت الي غرفتها بسرعة وهي تنظر الي الارضية ليس خجلاً او ما يشابه ولكن تجاهل لا تريد ان تنظر اكثر من ذلك ، استشعرت والدة كوثر الحرج فاستاذنت منهم ودخلت الي حجرتها مسرعة .


والدة كوثر : ايه يا بنتي قلة الذوق دي مش تسلمي علي الضيوف اللي برا

كوثر (بكل برود ) : ناس مين ؟

والدة كوثر : عريس جاي بتقدملك مهندس بيتشغل في شركة بترول في السعودية

كوثر : اهلاً وسهلاً اعمل ايه يعني

والدة كوثر : ردي كويس يا بنت ....قومي اقعدي مع الناس وغيري هدومك

كوثر : لا شكراً مش عايز اقابل حد

والدة كوثر : قومي دلوقتي حالا لاكسر دماغك انتي شايفاني عيلة صغيرة بلعب معاكي ولا ايه البسي بسرعة وتعالي عشر دقايق الاقيكي قاعدة جنب برا

كوثر : طيب

تجلس كوثر جلسة المحكوم عليه بالاعدام  لا تنطق بحرف ولا يظهر علي وجهها اي تعبير المشهد كله مهين لها ولا ترديه ان يستمر لفترة طويلة تتمني لو تحرك عقارب الساعة بيدها ويتحرك معها الزمن ايضاً كي تخرج من هذا الموقف

تحاول والدة العريس ان تكسر هذا الصمت فتسأل كوثر مداعبة

- وانتي بتدرسي فين بقي يا عروسة ابني
- انا في كلية علوم اول سنة السنة دي
- طب وليه يا بنتي الكلية الصعبة دي البنات ملهاش الا بيت جوزها

ادركت كوثر استفزازها ولكنها لم ترد وكان السؤال كافي بالنسبة لكوثر وبعد عدة محاولات من الام والعريس للحديث لم يجدوا ردود من كوثر ، كانت محاولات من الام لرد الحرج الذي تسببت فيه ابنتها لها وفي آخر القول وعدت العريس بالتفكير واستشارة الوالد وانتهي الموقف .

ادركت كوثر انه بعد ذلك سوف تمطرها والدتها بوابل من التأنيب والزجر ولكن تحملته بلا اي رد وانتهي الحديث بكلمتها المعتادة

" ربنا رزقني ببنت هبلة "


17



اتجهت كوثر الي حجرتها تكتم ابتسامة عريضة علي وجهها ، ذهب تفكيرها في الطعام اعدت فقط فنجالاً من القهوة وجلست تشربه في الشرفة تفكر في هذا المجتمع المريض الذي للاسف والدتها جزء منه تفكر مثلهم تماماً

كيف يرون ان نجاح البنت متوقف علي نجاح رجل يرتبط بها اسمه وكيف ينسبون ذلك الي التقاليد والدين ويتعاملون مع علي غرار هذا ما وجدنا عليه اباؤنا البنت تنتظر الرجل الذي يأتي لينتزعها من وسط اهلها ويدخلها الي زنزانة لا تفعل شيئاً فيها غير تنظيفها واعداد الطعام ومشاهدة التلفاز ، مجتمع يعطل نصف طاقته المتمثلة في المرأة من اجل خرافات ، المرأة نصف المجتمع هذا ليس كلاماً انشائياً بل واقع محتم علينا ان نتعامل معه ونقبله ونعمل عقلنا ولو لمرة واحدة ، فالمرأة ليست سلعة وديننا الحنيف لم يجعلها سلعة بل البشر هم من جعلوها كذلك وفي الدول الاوربية اكثر من الدول العربية بالمناسبة وتحضر تلك الدول زائف ويهين الانسان عامة والمرأة خاصة

جلست كوثر تفكر في هذا كله ثم تذكرت " علي " الشخص الوحيد الذي تحركت له مشاعرها كيف كان راقياً معها ومع زملائه عامة ، شخص تشعر انه غريب عن هذا المكان ، كما تشعر بغربتها هي الاخري عن هذا المكان وهذا المجتمع وكعادتها اغقلت باب التفكير واتجهت الي النوم كان لها قدرة غريبة علي فعل ذلك ...لكل شئ وقت ولديها ما تفعله غداَ وليأخذ كل شئ حقه ، كان عنوانها الاتزان في كل شئ


18

في  هذه الاثناء كانت رباب تفكر في كل يوم كيف تطعم ابنائها كانت تفكر جدياً في البحث عن عمل ولكن كيف لها ذلك وهي لا تجيد القراءة و الكتابة ولا تمتلك حرفة تستيطع ان تكسب بها رزقها ، وتخشي ان يذهب ماء وجهها من كثرة سؤال سليم ووالده وتشعر بالخجل الشديد ولكن ماذا تفعل استقلت ميكروباصاً واتجهت الي منطقة كان قد وصفها لها جارتها في البيت المقابل لها كانت قد شكت لها ضيق العيش فنصحتها بأن تذهب الي هذا المكان تبحث عن مصنع يقبل توظيفها ، وبالفعل ذهبت تبحث عن مصدر رزق لها وفي كل مرة كانت الاجابة الرفض ، الي ان قبل احد المديرين ان يوظفها والمرتب 400 جنيه طلبت منه عائداً اكبر ولكنه لم يقبل وذكرها بعدم اجادتها لأي حرفة وعدم تعليمها فقبلت في صمت واتجهت عائدة الي البيت تفكر في قسوة الوضع اذ ان المواصلات فقط تتعدي المائة جنيه ماذا تفعل بباقي المرتب ولمن ستترك اولادها وهي تعمل اشياء كثيرة اخذت بتفكيرها ، مرت علي مطعم واشترت بعض السمدوتشات لابنائها ثم ذهبت الي النوم حتي لا تفكر عسي أن يكون في الغد ما هو افضل ولو أن كل شئ لا يشير الي ذلك



يتبع       



الجمعة، 7 مارس 2014

كوكب مصر (4)



12


تجلس وسط الجميع تتابع تاريخ سبعة الاف عام واكتشاف مقابر فرعونية و فوز بكأس الامم الافرقية ورفع علم مصر في كل مكان ، تنسي احلامك البسيطة امام مباراة كرة قدم لن تكسب منها شيئاً -غير حرق اعصابك علي منتخب مستهتر يضيع احلام شعب بكل سهولة وبدون اي تانيب ضمير - وتسأل نفسك سؤالاً منطقياً جداً ، ما الذي يدفعك ان تنساق وراء كل هذا لماذا لا تفكر فقط فيما ينفعك انت شخصياً او من حولك ممن يحتاجون المساعدة ، لماذا تحتاج ان تعبر عن حبك لبلدك برفع علم اوي سماع اغنية او مشاهدة مباراة علي تحب الوطن بهذه الطريقة وهل ستتقدم ببلدك خطوة بهذه الطريقة ، والسؤال الاهم لو ان هذا الشعب يحب هذه البلد بدرجة كبيرة اذاً لماذا نتذيل الامم في كل مجالات الحياة لماذا لا ينعكس هذا علي مستوي البلد علي شكل الشارع علي شكل البشر انفسهم ، اذاً فهو نفاق لنفسك اولاً قبل ان يكون لبلد مسكينة رزقها الله بشعب لا يملك غير التفاخر بالماضي والغناء لمستقبل لن يتحقق بالغناء .




13


يوسف يسكن في الطابق العلوي لسليم ، ولد ذكي جداً ولكنه لم يجد فرصة للتعلم مات والده وهو في سن العاشرة ثم لحقت به والدته بعد خمس سنوات أخري ، عمل في ورشة لميكانيكا السيارات واتقن عمله حتي فتح ورشة خاصة به ، يقرأ كثيراً يتعرف علي كل جديد في مجال عمله مما جعله يتفوق علي كل من مارسوا مهنته حتي اصبح مكروهاً بينهم ، واصبح مكروها ايضاً بين جيرته واقاربه .

وهو لا يكره ذلك بل يسعد به فهو لا يحب الناس عامة ً يتعامل معاهم بكل ذكاء حتي لا يسبب المشاكل لنفسه ، لا يترك لأحد ذيلاً أو خطأ يؤخذ عليه ، ولكن عندما يخلو لنفسه فله بعض التصرفات الشاذة التي لا يفهمها هو نفسه ، فقد تراه يسمع نشيد اسرائيل الوطني ويردده ، يتابع اخبار اسرائيل لحظة بلحظة ، يفرح لأي تقدم او بحث جديد ينشر لعلمائها ، لا يلبث ان يفيق ويتذكر ماذا فعلت هذه الدولة في اهل دينه وبلده وعروبته ، ولكن يبقي في نفسه اقتناع بان هذه الدولة الصغيرة التي يحيط بها اعدائها من كل اتجاه وفي نفس الوقت تهدد حدودهم ولا تستطيع اي دولة منهم انهاء وجودها الذي فرضته منذ اكثر من ستين عاماً أن هذه الدولة قوية وان اهلها يحبونها بحق ويضعون حلماً يغرسونه في ابنائهم لتحقيقه ، لا يعيشون بدون وجهة كالشعوب العربية 


14



عندما ينزل بين الناس ينسي كل هذه الافكار الشاذة ، يطردها من رأسها طوعاً او كراهية فلو اخطأ ضاعت رقبته في لحظة وسط هؤلاء الحمقي الذين لا يتسع افقهم لأي خطأ او سهو او تفكير جامح 

جلس في ورشته يرشف القهوة وينتظر كحاله كل يوم مرور زينب متوجهة الي كليتها ، لا يري ليومه طعماً دون ان يراها تمر من امامه ، طويلة بيضاء تلبس دائماً حجابا متوسط الطول من لون واحد ثياب فضافضة انيقة ، متزنة في مشيتها تثق في نفسها لأبعد الحدود تنزل في كل يوم في نفس المعاد السادسة والنصف صباحاً لا تتأخر مهما كانت الظروف مع حفاظها علي مظهرها في كل مرة ، في كل مرة ينظر اليها يوسف يكون ردها نظرة لا يوجد بها اي تعبير ، ليس لديها وقت ليضيع في معرفة سبب تتبع هذا الشخص لها 


لا يمل يوسف من النظر اليها يجلس يكمل قهوته وينتظر سليم صديقه الوحيد في هذا الشارع الميت الذي لا صخب فيه غير لمجموعة من الاطفال تجري وتلعب وتلفظ كلاماً غير مفهوماً وكأنهم احفاد يأجوج ومأجوج ، يجلس معه سليم يحدثه عن الكلية وماذا جد في عالم الميكانيكا ، يلح عليه سليم كي يلتحق بالكلية ولكن رد يوسف دائماً لا ، لا حاجة لي فيها التعليم هنا لا طائل منه في شئ .


15

في الساعة الخامسة يأتي الي ورشة يوسف شاب يلبس بدلة فاخرة و ينزل من عربة فارهة ولا يتكلم فقط يعطي يوسف كارتاً عليه رقم وتحته اسم محمد فهمي ويطلب منه ان يتصل به بعد يومان  ، قبل ان يبادره يوسف بالسؤال يرد بصوت قوي ثابت وابتسامة ساخرة ....لما تتصل هتعرف

ظل يوسف محدقاً في الكارت لا يدري من هذا الشخص وكيف يعرفه ، هل سيتصل به حقاً ؟ ، وماذا لو تجاهله ماذا سيفعل ؟ ، يومان من العذاب والتفكير يفصلانه عن معرفة السبب والي ان يحدث ذلك ستحترق اعصابه في كل دقيقه .


يتبع