السبت، 7 يونيو 2014

كوكب مصر (6)


19


تأتي الفرصة مرة واحدة في العمر هكذا يقولون ، بعض الناس تأتيهم الفرصة تلو الفرصة ولا تحسن استغلالها بل وتلقيها علي ابعد مدي امامها ، فالفكرة في تعريف الفرصة نفسها ما تراه فرصة غيرك يري تركه هو الفرصة ،ليس البشر سواء والجميع يطمح في حياة افضل ولكن القليل من يبذل مجهود لذلك ، وهناك من يبذل مجهود في اتجاه خاطئ فلا يحصل علي أي استفادة من سعيه هذا .


20

جلس يوسف يتابع الاخبار اليومية علي التلفاز ثم مل قليلاً ، ادار وجهه للتلفاز وجلس علي أريكته المفضلة وتمدد ، و عقد ذراعيه وراء رأسه متأملا في سقف الحجرة يفكر ، ما نهاية كل هذا ،تعلم ذاتي وورشة متواضعة وافكار واحلام بلا حدود لا تجد السبيل ان تتحقق، لا تستخدم غير ما لا يزيد عن عشرة في المائة من قدراتك العقلية والبدنية كيف ستحول احلامك الي حقيقة ملموسة ، تذكر الرجل الذي مر عليه في الورشة ، بحث عن الكارت واحضر المحمول وهم بمكالمته .

-الو
-ايوه 
-استاذ محمد فهمي 
-ايوه يا ابني انت مين ؟
-انا يوسف اللي .....
-ايوه ايوه ...بكرة هتعدي عليك العربية الساعة 12 بالدقيقة تكون جاهز وهتوصلك لحد عندي 
-طيب هو ...
-لما تيجي هتعرف يا يوسف ..سلام

21


الوضع يزداد غموضاً ماذا يخبئ له هذا اليوم من هذا الرجل ،تبدو من نبرة صوته انه واثق من نفسه وقوي ،مرت عليه ساعات الليل بكل بطئ لا تماد تتحرك عقارب الساعة ، دقت الساعة الحادية عشر ،استيقظ يوسف من نومه واغتسل ولبس افضل ثيابه وتهئ للموعد نزل قبل الموعد بعشر دقائق يراقب الشارع وفي الثانية عشر تماماً يدخل الشارع نفس العربة بنفس الرجل ، تتسارع دقات قلبه يكاد يسمعها ،واهتز صدره بشدة اصطحبه الرجل الي السيارة وطيلة الطريق لم ينبث ببنت شفاه حتي وصلوا الي قصر المدعو محمد فهمي 
يدخل يوسف الي القصر وينزل اليه محمد فهمي بلبس عادي جداً عبارة عن قميص ابيض وبنطلون جينز وساعة باهظة الثمن 

-اهلاً يا يوسف 
-اهلا بحضرتك (بلسان محشرج)
-مالك خايف ليه يا يوسف 
-لا ابداً انا بس مش فاهم حاجة وعايز افهم 
-هتفهم كل حاجة ..اقعد
-بقي يا سيدي انا عرفت انك فاتح ورشة ميكانيكا وبتتعلم وبتقرا كتب وبتاع مع انك مدرستش وكنت صلحت عندك العربية 
وعجبني شغلك جداً 
-ربنا يخليك يا استاذ
-بس ...فقولت موهبة زيك لازم استفيد منها فقررت اعينك في شركتي 
-شركة ايه يا فندم ؟
-هي شركة لتصنيع السيارات اول محاولة هنا في مصر وبعدين لو نجحت هقدر انفذها في دول كتير 
-والله يا بيه انا مش عارف اقول ايه 
-متقولش حاجة ...تقدر تستلم الشغل في اقرب وقت تحبه ومرتبك المبدئي هيبقي خمس تلاف جنيه 
-شكراً اوي يا فندم
-متشكرنيش ...هستني تليفونك 
-اكيد

خرج يوسف من قصر محمد فهمي متعجباً ،طالما الموضوع هو وظيفة ما الذي دفعه لهذه الطريقة المريبة في اللقاء ،فكر ان يرفض ولكن العرض مغري جداً ،قال في نفسه لن اتعجل ويجب اخذ قسطاً من التفكير قبل ان يقرر ماذا يفعل في هذا الموقف العجيب .

يتبع

السبت، 22 مارس 2014

كوكب مصر (5)


16


عادت كوثر من الكلية منهكة تبحث عن أي شئ تأكله قبل ان تخلد الي النوم ، حركة مريبة في البيت وشخص يجلس في الصالون يلبس بدلة انيقة وتفوح رائحة العطر من جميع الاتجاهاهت ، وامامه علبة من الحلوي صغيرة ومستديرة ومحاطة بالحبال من كل جانب كانه يخشي عليها من الفرار ، وتجلس بجانبه امرأة جاوزت سن الخمسين وعلي ثغرها ابتسامة دائمة لا تدري لها سبب واتسعت قليلاً عند رؤيتها لكوثر ، تجاهلت كوثر كل ذلك واتجهت الي غرفتها بسرعة وهي تنظر الي الارضية ليس خجلاً او ما يشابه ولكن تجاهل لا تريد ان تنظر اكثر من ذلك ، استشعرت والدة كوثر الحرج فاستاذنت منهم ودخلت الي حجرتها مسرعة .


والدة كوثر : ايه يا بنتي قلة الذوق دي مش تسلمي علي الضيوف اللي برا

كوثر (بكل برود ) : ناس مين ؟

والدة كوثر : عريس جاي بتقدملك مهندس بيتشغل في شركة بترول في السعودية

كوثر : اهلاً وسهلاً اعمل ايه يعني

والدة كوثر : ردي كويس يا بنت ....قومي اقعدي مع الناس وغيري هدومك

كوثر : لا شكراً مش عايز اقابل حد

والدة كوثر : قومي دلوقتي حالا لاكسر دماغك انتي شايفاني عيلة صغيرة بلعب معاكي ولا ايه البسي بسرعة وتعالي عشر دقايق الاقيكي قاعدة جنب برا

كوثر : طيب

تجلس كوثر جلسة المحكوم عليه بالاعدام  لا تنطق بحرف ولا يظهر علي وجهها اي تعبير المشهد كله مهين لها ولا ترديه ان يستمر لفترة طويلة تتمني لو تحرك عقارب الساعة بيدها ويتحرك معها الزمن ايضاً كي تخرج من هذا الموقف

تحاول والدة العريس ان تكسر هذا الصمت فتسأل كوثر مداعبة

- وانتي بتدرسي فين بقي يا عروسة ابني
- انا في كلية علوم اول سنة السنة دي
- طب وليه يا بنتي الكلية الصعبة دي البنات ملهاش الا بيت جوزها

ادركت كوثر استفزازها ولكنها لم ترد وكان السؤال كافي بالنسبة لكوثر وبعد عدة محاولات من الام والعريس للحديث لم يجدوا ردود من كوثر ، كانت محاولات من الام لرد الحرج الذي تسببت فيه ابنتها لها وفي آخر القول وعدت العريس بالتفكير واستشارة الوالد وانتهي الموقف .

ادركت كوثر انه بعد ذلك سوف تمطرها والدتها بوابل من التأنيب والزجر ولكن تحملته بلا اي رد وانتهي الحديث بكلمتها المعتادة

" ربنا رزقني ببنت هبلة "


17



اتجهت كوثر الي حجرتها تكتم ابتسامة عريضة علي وجهها ، ذهب تفكيرها في الطعام اعدت فقط فنجالاً من القهوة وجلست تشربه في الشرفة تفكر في هذا المجتمع المريض الذي للاسف والدتها جزء منه تفكر مثلهم تماماً

كيف يرون ان نجاح البنت متوقف علي نجاح رجل يرتبط بها اسمه وكيف ينسبون ذلك الي التقاليد والدين ويتعاملون مع علي غرار هذا ما وجدنا عليه اباؤنا البنت تنتظر الرجل الذي يأتي لينتزعها من وسط اهلها ويدخلها الي زنزانة لا تفعل شيئاً فيها غير تنظيفها واعداد الطعام ومشاهدة التلفاز ، مجتمع يعطل نصف طاقته المتمثلة في المرأة من اجل خرافات ، المرأة نصف المجتمع هذا ليس كلاماً انشائياً بل واقع محتم علينا ان نتعامل معه ونقبله ونعمل عقلنا ولو لمرة واحدة ، فالمرأة ليست سلعة وديننا الحنيف لم يجعلها سلعة بل البشر هم من جعلوها كذلك وفي الدول الاوربية اكثر من الدول العربية بالمناسبة وتحضر تلك الدول زائف ويهين الانسان عامة والمرأة خاصة

جلست كوثر تفكر في هذا كله ثم تذكرت " علي " الشخص الوحيد الذي تحركت له مشاعرها كيف كان راقياً معها ومع زملائه عامة ، شخص تشعر انه غريب عن هذا المكان ، كما تشعر بغربتها هي الاخري عن هذا المكان وهذا المجتمع وكعادتها اغقلت باب التفكير واتجهت الي النوم كان لها قدرة غريبة علي فعل ذلك ...لكل شئ وقت ولديها ما تفعله غداَ وليأخذ كل شئ حقه ، كان عنوانها الاتزان في كل شئ


18

في  هذه الاثناء كانت رباب تفكر في كل يوم كيف تطعم ابنائها كانت تفكر جدياً في البحث عن عمل ولكن كيف لها ذلك وهي لا تجيد القراءة و الكتابة ولا تمتلك حرفة تستيطع ان تكسب بها رزقها ، وتخشي ان يذهب ماء وجهها من كثرة سؤال سليم ووالده وتشعر بالخجل الشديد ولكن ماذا تفعل استقلت ميكروباصاً واتجهت الي منطقة كان قد وصفها لها جارتها في البيت المقابل لها كانت قد شكت لها ضيق العيش فنصحتها بأن تذهب الي هذا المكان تبحث عن مصنع يقبل توظيفها ، وبالفعل ذهبت تبحث عن مصدر رزق لها وفي كل مرة كانت الاجابة الرفض ، الي ان قبل احد المديرين ان يوظفها والمرتب 400 جنيه طلبت منه عائداً اكبر ولكنه لم يقبل وذكرها بعدم اجادتها لأي حرفة وعدم تعليمها فقبلت في صمت واتجهت عائدة الي البيت تفكر في قسوة الوضع اذ ان المواصلات فقط تتعدي المائة جنيه ماذا تفعل بباقي المرتب ولمن ستترك اولادها وهي تعمل اشياء كثيرة اخذت بتفكيرها ، مرت علي مطعم واشترت بعض السمدوتشات لابنائها ثم ذهبت الي النوم حتي لا تفكر عسي أن يكون في الغد ما هو افضل ولو أن كل شئ لا يشير الي ذلك



يتبع       



الجمعة، 7 مارس 2014

كوكب مصر (4)



12


تجلس وسط الجميع تتابع تاريخ سبعة الاف عام واكتشاف مقابر فرعونية و فوز بكأس الامم الافرقية ورفع علم مصر في كل مكان ، تنسي احلامك البسيطة امام مباراة كرة قدم لن تكسب منها شيئاً -غير حرق اعصابك علي منتخب مستهتر يضيع احلام شعب بكل سهولة وبدون اي تانيب ضمير - وتسأل نفسك سؤالاً منطقياً جداً ، ما الذي يدفعك ان تنساق وراء كل هذا لماذا لا تفكر فقط فيما ينفعك انت شخصياً او من حولك ممن يحتاجون المساعدة ، لماذا تحتاج ان تعبر عن حبك لبلدك برفع علم اوي سماع اغنية او مشاهدة مباراة علي تحب الوطن بهذه الطريقة وهل ستتقدم ببلدك خطوة بهذه الطريقة ، والسؤال الاهم لو ان هذا الشعب يحب هذه البلد بدرجة كبيرة اذاً لماذا نتذيل الامم في كل مجالات الحياة لماذا لا ينعكس هذا علي مستوي البلد علي شكل الشارع علي شكل البشر انفسهم ، اذاً فهو نفاق لنفسك اولاً قبل ان يكون لبلد مسكينة رزقها الله بشعب لا يملك غير التفاخر بالماضي والغناء لمستقبل لن يتحقق بالغناء .




13


يوسف يسكن في الطابق العلوي لسليم ، ولد ذكي جداً ولكنه لم يجد فرصة للتعلم مات والده وهو في سن العاشرة ثم لحقت به والدته بعد خمس سنوات أخري ، عمل في ورشة لميكانيكا السيارات واتقن عمله حتي فتح ورشة خاصة به ، يقرأ كثيراً يتعرف علي كل جديد في مجال عمله مما جعله يتفوق علي كل من مارسوا مهنته حتي اصبح مكروهاً بينهم ، واصبح مكروها ايضاً بين جيرته واقاربه .

وهو لا يكره ذلك بل يسعد به فهو لا يحب الناس عامة ً يتعامل معاهم بكل ذكاء حتي لا يسبب المشاكل لنفسه ، لا يترك لأحد ذيلاً أو خطأ يؤخذ عليه ، ولكن عندما يخلو لنفسه فله بعض التصرفات الشاذة التي لا يفهمها هو نفسه ، فقد تراه يسمع نشيد اسرائيل الوطني ويردده ، يتابع اخبار اسرائيل لحظة بلحظة ، يفرح لأي تقدم او بحث جديد ينشر لعلمائها ، لا يلبث ان يفيق ويتذكر ماذا فعلت هذه الدولة في اهل دينه وبلده وعروبته ، ولكن يبقي في نفسه اقتناع بان هذه الدولة الصغيرة التي يحيط بها اعدائها من كل اتجاه وفي نفس الوقت تهدد حدودهم ولا تستطيع اي دولة منهم انهاء وجودها الذي فرضته منذ اكثر من ستين عاماً أن هذه الدولة قوية وان اهلها يحبونها بحق ويضعون حلماً يغرسونه في ابنائهم لتحقيقه ، لا يعيشون بدون وجهة كالشعوب العربية 


14



عندما ينزل بين الناس ينسي كل هذه الافكار الشاذة ، يطردها من رأسها طوعاً او كراهية فلو اخطأ ضاعت رقبته في لحظة وسط هؤلاء الحمقي الذين لا يتسع افقهم لأي خطأ او سهو او تفكير جامح 

جلس في ورشته يرشف القهوة وينتظر كحاله كل يوم مرور زينب متوجهة الي كليتها ، لا يري ليومه طعماً دون ان يراها تمر من امامه ، طويلة بيضاء تلبس دائماً حجابا متوسط الطول من لون واحد ثياب فضافضة انيقة ، متزنة في مشيتها تثق في نفسها لأبعد الحدود تنزل في كل يوم في نفس المعاد السادسة والنصف صباحاً لا تتأخر مهما كانت الظروف مع حفاظها علي مظهرها في كل مرة ، في كل مرة ينظر اليها يوسف يكون ردها نظرة لا يوجد بها اي تعبير ، ليس لديها وقت ليضيع في معرفة سبب تتبع هذا الشخص لها 


لا يمل يوسف من النظر اليها يجلس يكمل قهوته وينتظر سليم صديقه الوحيد في هذا الشارع الميت الذي لا صخب فيه غير لمجموعة من الاطفال تجري وتلعب وتلفظ كلاماً غير مفهوماً وكأنهم احفاد يأجوج ومأجوج ، يجلس معه سليم يحدثه عن الكلية وماذا جد في عالم الميكانيكا ، يلح عليه سليم كي يلتحق بالكلية ولكن رد يوسف دائماً لا ، لا حاجة لي فيها التعليم هنا لا طائل منه في شئ .


15

في الساعة الخامسة يأتي الي ورشة يوسف شاب يلبس بدلة فاخرة و ينزل من عربة فارهة ولا يتكلم فقط يعطي يوسف كارتاً عليه رقم وتحته اسم محمد فهمي ويطلب منه ان يتصل به بعد يومان  ، قبل ان يبادره يوسف بالسؤال يرد بصوت قوي ثابت وابتسامة ساخرة ....لما تتصل هتعرف

ظل يوسف محدقاً في الكارت لا يدري من هذا الشخص وكيف يعرفه ، هل سيتصل به حقاً ؟ ، وماذا لو تجاهله ماذا سيفعل ؟ ، يومان من العذاب والتفكير يفصلانه عن معرفة السبب والي ان يحدث ذلك ستحترق اعصابه في كل دقيقه .


يتبع    

الجمعة، 21 فبراير 2014

كوكب مصر (3)

8

تسكت كثيراً تغلق رأسك علي افكارك ولا تسمح لها بالخروج امام من لا يفهمها او يستوعبها تتركها لنفسك واحلامك التي لا تتوقف ، الي ان يقتحم ذلك السكوت من يفجر هذا الشلال من الكلمات من رأسك ويجعله ينساب عليه كالصواعق الي ان يهدأ مرة اخري ويعود الي ذلك السكوت اللذيذ الذي يوفر الجهد والعناء الذي لا طائل منه .



9

عاد سليم الي بيته ليستريح قليلاً ويخلد الي النوم ليعطي لجسمه قسطاً من الراحة قبل معركة الميدتيرم المنتظرة ولكن تأتي الرياح  دائماً بما لا تشتهي السفن يدخل البيت ليراه ، آه انه هو من لا يمل من الحديث ولا يستريح ، جمال صديق والد سليم يعيش وحيداً يتردد علي والد سليم من وقت لآخر ، جمال من اسمه نشأ في عائلة تربت علي حب عبد الناصر رئيس مصر الاسبق وزعيم الأمة كما يحلو للكثير من المصريين تسميته ، وفي هذا الوقت كان المصريون يحبون تسميه ابنائهم جمال حباً في جمال عبد الناصر، كان طويلاً وضخم البنية يشبه قوات الصاعقة وقد بدأ الصلع ينتشر في رأسه مع ظهور بعض الشعرات البيضاء عيناه حادتان تحس انها سوف تثقبك اذا ما نظر اليك هادئ كثيراً ما يتعلثم اثناء الحديث ولكنه في نفس الوقت كلماته قوية مؤثرة لا ينفعل الا قليلاً انيق ودائم التعطر يطلق نكات سخيفة لا يضحك بعدها الا هو وحده ولكنه مقتنع تمام انه خفيف الظل  ، دخل جمال الجيش كأي شاب مصري وأدي خدمته العسكرية ثلالث سنوات بالتمام والكمال ، كان يعشق الجيش المصري ولا يقبل لأي حد ان يسبه او ينتقده ودائماً ما يتكلم ويجادل ليقنعك ان الجيش المصري لا يخطأ وان الطرف الآخر لابد ان يكون هو المخطأ ، يذكرني بالاخوان في الكلام الكثير والمجادلة فلن تجد من يجادلك اكثر من ذلك الصنفين من البشر لا يكل ولا يمل من الحديث حتي قنعك بوجهة نظره ولو مضطراً لتهرب من الحديث معه .

كان سليم يريد ان يهرب من الموقف وهم مسرعاً الي غرفته فبادره والده قائلاً

- سليم تعالي عمك جمال كان عايز يسلم عليك كان نفسه يشوفك 

بادر جمال بالحديث ...ازيك يا سليم عامل ايه في كليتك

- الحمد لله تمام 

- الحمد لله يا ابني اهتم بدراستك بقي عشان تنفع بلدك البلد محتاجة اللي زيك 
متسمعش كلام الناس اللي بيعملو مظاهرات وبيعطلو البلد دول 

احس سليم بنيه جمال في النقاش والجدال فرد مقتضباً

- ان شاء الله يا عمي ربنا يسهل 

ولكن صديقنا لا يمل وادار رأسه هذا المره الي والد سليم ثم قال

- عارف ..المشكلة في الشباب انهم مندفعين مبيسمعوش كلام حد الناس الكبيرة عاشت اكتر منكم
احنا شوفنا كتير عشان كده بنخاف علي البلد مش خايفين ولا حاجة زي ما الشباب بتقول

لم يرد سليم وكتم الكلام في نفسه وحاول جاهداً ان يمر الموقف بدون نقاش 

- طول عمرنا عايشين في سلام والبلد محروسة من ربنا مهما حاولت اي دولة تحاربنا 
الجندي المصري خير اجناد الارض وعندنا احسن صناعة واحسن فلاح الفلاح المصري 

لم يستطع سليم الصمود اكثر من هذا ورد بصوت بارد ساخر ملئ بالهدوء

- هو فين الفلاح المصري ده ما خلاص ركب (الدش) ومبقاش فاضي ولا بقي عنده ارض يزرعها حتي
كان قبل 23 يوليو القطن المصري طويل التيلة احسن قطن والبلد كانت نضيفة دلوقتي كل حاجة باظت 

وكأنه في لقاء تلفزيونه رد بخبث لسليم ثم تابع ...طيب ارد عليك بقي 

- مصر احسن بلد وطول عمرنا بنعلمهم الكسوة بتاعة السعودية دي احنا اللي عاملينها في حرب 73 هزمنا اسرائيل وامريكا 
كمان اللي نزلت طيارات جديدة في قلب ساحة المعركة يا ابني شعب مصر في رباط ليوم الدين سيبك من اللي بيتقال

- طيب عملنا ايه بعد حرب 73 مفيش اي تقدم في حاجة والبلد كل يوم بتتحول من سئ لأسوأ

- ماشي انا معاك ان مبارك خرب كتير في البلد بس مش هو الشلة اللي حواليه اللي سيطرت في آخر 10 سنين هي اللي خربت 

قال سليم في نفسه "نفس الكلام اللي بسمعه كل يوم في كل حته انا زهقت من الترديد طب خد اللي جاية دي بقي لما اشوف هترد ازاي "

- طيب تفسر بايه لما اتفرج علي حفل تخرج لدفعة قوات بحرية ولا جوية مش فاكر بالظبط وبيغنو لمبارك وبيقولو انت شراعنا وانت امانا وانت سلاحنا ونفاق ملوش آخر 

فاجأ السؤال جمال وفكر وتلعثم ثم قال ...الجيش بيعرف يتصرف في أي موقف لو طلبو منه اغنية عن مصر مفيش دقيقة 
يجيبو الكلام متعرفش بيجيبوه منين ، لو اتطلب بناء استراحة ساعة واحدة تكون جاهزة رجال المواقف الصعبة دايماً فهمتني ؟!

-بس حضرتك مجاوبتش علي سؤالي

-قصدي ان الجيش لما اتطلب منه اغاني لمبارك عملها بس برضو في الآخر ولائهم للبلد مش للرئيس 

- ابتسم سليم ثم قال ...ربنا يستر علينا بعد اذنك انا داخل انام عشان عندي امتحانات 

- رايح فين بس مش هنكمل كلام 

-بعدين ان شاء الله 


10

الحمد لله نجوت من كلامه الذي لا ينتهي انسان يجادل بدون هدف غير الجدال ....نفض سليم الغطاء وصعد الي الفراش ثم حدق الي السقف ،وبدأ  يفكر ماذا يدفعه لتحمل كل هذا لابد وان يكون هناك حلاً اما بتغيير الواقع اليذي يعيشه او البحث عن واقع افضل في مكان آخر ، يترك كل شئ ويرحل ماذا يفعل ، فكر في النوم والتركيز في الامتحانات ثم يري ماذا يفعل بعد ذلك 


11

في اليوم التالي سليم بعد الامتحان يخرج مبتسماً ضاع القلق من اول امتحان اجاب بكل سهولة علي الاسئلة ، اتصل بوالد يطمأنه ثم عاد الي البيت ، في طريقه سمع صوت ينادي من خلفه ..سليم ...سليم 

التفت بوجهه ليري من المنادي ....هي رباب جارته في الطابق الاعلي ام لثلاث اطفال ذهب زوجها لكسب الرزق في السعودية وعاد اليها في صندوق بعد ان قضي العمل عليه ، ترك لها بعض المال وبعد فترة ذهب المال واضطرت للعمل في احد المصانع ولكن العائد كان لا يكفي ، ولم تقدر علي هذا التعفف كثيراً فكانت احياناً ما تلجأ الي سليم ووالده لثقتها بهم ودائماَ يقفان بجابنها 

سالت رباب سليم ...سليم معلش انا بتقل عليك بس ممكن تديني 10 جنيه لحد ما اقبض من المصنع 
عشان عايزة اجيب اكل لولادي ومعيش فلوس 

لم يكن سليم يمتلك غير عشرون جنيهاً لبقية الاسبوع ولكن ما باليد حيلة اعطاها العشرة جنيهات ثم انصرف

 عاد سليم الي البيت واستحوذت رباب واطفالها علي جزء من تفكيره وحمد الله علي حاله،  فمع كل هذا التذمر وكل هذا هذا الشقاء الذي يعانيه يري من هم اسوأ حالاً منه ولا يجيد الكلام عن الحرية والديموقراطية  لا يعرف غير اكل العيش فقط هذا كل ما يستطيع التفكير فيه او يجد وقت للتفكير فيه ، لعن الله كل من وصل بنا لهذا الحال ، رأي والده نائماً فلم يرد ان يقلقه فتح الثلاجة واخرج طبق من الجبن ورغيفان من الخبز واكل ثم اعد لنفسه كوباً من الشاي جلس ليرشفه في البلكونة كعادته ثم ذهب للنوم .


يتبع



الاثنين، 17 فبراير 2014

كوكب مصر (2)

4


احياناً تجلس وحيداً تشعر بالغربة حتي في وجود اقرب المقربين الي قلبك ، هي الحياة تأتي وحيداً وتعيش حياتك وحيداً وتغادرها ايضاً وحيداً ، تحلم بالسفر الي مكان خالي من جميع البشر تمنح فرصة لنفسك كي تفكر في حياتك فيما مضي وما هو قادم ترغب في القليل من الخصوصية مجرد القليل ، تكره ان يشاركك هذه الفترة التي تمنحها لنفسك أي احد حتي من تحب ، لا ينظر احد الي جريدة في يدك او الي محمولك او الي ملابسك ، تكره نظرة التحفز الواضحة في عيون الكثيرين ، الاصوات التي لا تحب سماعها من سباب واصوات تشبه اصوات الحيوانات تهرب منها بوضع سماعة في اذنك و رفع مستوي الصوت الي النهاية ، تكره اذا لمسك اي شخص يجلس بجوارك تتمني لو تستطيع بناء سور حول جسمك يبتعد عنه مسافة متر ولا يقترب منك احد ، تبحث عن حرية مفقودة لا تجدها .



5

تمشي كوثر يومياً فوق كوبري الجامعة تستمع بمنظر النيل تحتها رغم ما يشوه المنظر من حيوانات نافقة وزيت ملقي في النيل من حاويات بضائع ومراكب تنزه باصوات مسفة ، تأمل في استنشاق الهواء العليل ، تأبي ان تستقل حافلة او تاكسي الي الكلية ، تشعر بالاختناق ، هذه التمشية اليومية تكون لها بمثابة شحنة من الطاقة لتحمل المكوث قرابة السبع ساعات ما بين قاعات مزدحمة ودكاترة لا يطيقون الطلبة او الكلية او أنفسهم حتي يشعرون وكأنهم يعطفون علي الطلبة بشرح المناهج ، يتحفزون لأي خطأ بسيط لأي طالب حتي يستمتعون بعقابه بكل سادية ، كانت كوثر تنزعج من هذا كله وفكرت في ترك الكلية المرة تلو الاخري ولكن حال دون ذلك طموحها الذي لا يتوقف ، كانت علي اقتناع تام بأنها سوف تصل الي كل ما تريده بأقل مجهود رغم جميع العقبات التي واجهتها وسوف تواجهها في مجتمع لا يفهم لغة العلم بل يفهم لغة (العالمة) التطبيل والرقص التلاعب بالكرة التلاعب بالمشاعر والاحلام ولقمة العيش هو الوسيلة الوحيدة كي تصل الي مكان مرموق في هذا البلد التعيس .



6

ورغم هذا الجو الذي لا يساعد الا علي كره الحياة واستعجال الهروب من هذا الواقع بالسفر او الموت ، يظهر ما يضيء السماء المعتمة التي تحلق فوق هذه الكلية دكتور مصطفي ، كان انساناً مختلفاً محباً للعلم بشكل خرافي ، عنده حل علمي لكل مشكلة تواجهه لا يشعر باليأس ، وفي نفس الوقت لا يطلق الاشعار في حب بلدته الرائعة اعظم بلاد الكون ام الدنيا التي يحقد عليها العالم كله ويتآمر عليها لاسقاطها من عرشها الوهمي ، هو يعمل ولا يتكلم أو يتذمر ، لا تتخلل محاضراته اي خروج عن نص المادة ولا يمطر من يسمعه بكم الانجازات التي حققها في حياته والتي يجب علي الطلبة ان يتعلمون منها ، كان دائم الابتسامة لا يعرف وجهه الوجوم ابدأ ، في منتصف الثلاثينات كان اخر من تم تعيينه في ترتيب دفعته كان محظوظاً دائماً لا ادري ما السبب في ذلك الحظ ، هل هو نابع من ايمان داخلي بثبات القدر وعدم تغييره ، ام انه لا تهمه هذه الحياة في شئ ، كان نحيفاً جداً تشعر بخروج عظام صدره لتجلس معنا في القاعة ، لا يأكل الا لسد حاجته من الطعام والشراب فقط لا يتأخر عن محاضراته ابدأ مهما كانت الظروف ، كل هذا جعل كوثر تشعر بوجود ثمة امل في قليل من العلم في هذه الفوضي من الجهل .


7

تنهي كوثر محاضراتها وتنتظر صديقتها أمنية التي تدرس في كلية الهندسة وتذهبان معاً الي البيت ، كانت امنية تسكن بجوار كوثر وعاشت كل طفولتها معها حتي وصلتا الي المرحلة الجامعية آخر مرحلة من البراءة والنفوس الطيبة وان قلت ، كانت امنية بعكس كوثر تستطيع ان تتعايش مع كل هذا الجو الغير تعليمي ، تحضر المحاضرات والسكاشن تكتب جيدأ تحقق العلامة الكاملة ولا تسأل عن العلم كانت في قسم ميكانيكا وهذه الميزة الوحيدة لها في اختيارها لهذا القسم الذي ينفر منه الجميع وخاصة البنات ، تتكلمان قليلاً مع بعضهما البعض ، قد لا يحتاجون للكلام اصلاً فهم علي قدر عالي من التفاهم برغم تضارب الشخصيات وتباينها ولكن تحتفظان بسعة في الافق يندر وجودها في هذا الزمان وفي مجتمعاتنا العربية خصوصاً .


يتبع

الخميس، 13 فبراير 2014

كوكب مصر (1)

1

عندما تعيش في دولة لا تملك حق التفكير او التخطيط لا تملك فيها ابسط الحقوق التي يحتاجها كل انسان من الطبيعي ان ينتج متطرفين فكرياً ودينياً .

وسرعان ما يتم استغلال هذه الكتلة المتطرفة من النظام الحاكم -الذي تكون بطريقة او باخري قد يكون من صنع الشيطان شخصياً- ويتم ذلك بطريقة مباشرة او غير مباشرة الملخص ان ينجو الشيطان بفعلته ان يطردك من الجنة-علي فرض انها  كذلك بالفعل- ثم يلومك انت لأنك صدقت اكاذيبه .

المعذبون في الارض هي التسمية المثلي لناتج هذا الخليط البشري الغير متجانس تسمع كثيراً تفاخرهم بذكر بلدهم المصونة من الله علي حد تعبيرهم ولا اعلم في اي سورة او آية ذكر هذا الوعد بحماية هذه البلد ولم يفكر فيهم احد ان بني اسرائيل اكثر اسم ذكر لبلدة في القرآن وان شعبهم كان شعب الله المختار ثم تحول الحال وغضب الله عليهم وكتب عليهم التيه اربعون عاماً وسخط منهم من سخط قردة وخنازير ، فهل ذكر مصر في القرآن هو صك غفران لشعبها مهما افسد او خرب او قتل كيف لأي عقل سليم ان يصدق هذه الخرافات 



2

استيقظ سليم من نومه ولبس مسرعاً ثم استقل اتوبيساً الي الكلية لحضور اول محاضرة في اول عام له بكلية العلوم ، يلومه الجميع علي التحاقه بهذه الكلية ورفضه دخول كلية الطب رغم مجموعه العالي لم يكن يفكر في هذه الخرافات كان عازماً علي كلية العلوم منذ البداية والجدير بالذكر ان تشجيع والده له هو ما دفعه لاتخاذ قراره بنفسه كان والده مدرس لغة عربية من هذه النوعية التي انقرضت التي تعلمت في الكتتايب وتنطبع اجادة اللغة العربية عليهم في حياتهم بشكل عام .

دخل الي المحاضرة جلس في الصف الثاني وكانت في مادة الفيزياء ، كالعادة كان لا يجد ضالته في شرح الحصص من قبل والمحاضرات الآن  ولكن كان يواظب علي حضورها من باب الالتزام وبناء قاعدة من المعلومات يقوم باثقالها بعد ذلك عن طريق الكتب ومحركات البحث كان يدرك ان هذا الواقع لا يساعده علي أي شئ وانه سوف ينتهي به الحال بنظارة طبية سميكة وحمالات تمنع  بنطاله من السقوط وقميص يكاد ينفجر من بطن تندفع الي الامام بدون حدود وذاكرة ضعيفة تأبي ان تتذكر ما حدث لها حتي وصلت لهذه الحالة كان يعلم هذا كله ولكن كان هناك شئ خفي لا يعلمه يدفعه للاستمرار ، امل غير مبرر في دولة اجهضت آمالها واحلامها منذ زمن بعيد ولا زال بعض المغفلين امثال سليم يحاربون طواحين الهواء ويحلمون ويستغرقون في احلامهم كي يهربون  من واقع مرير .


3

وبينما كان يفكر في مستقبله العتم قطع افكاره صوت يأتي من جانبه ، شاب انيق مهندم يبدو عليه الوقار والاتزان

- ايه مالك كده سرحان ومبتكلمش حد انت متعرفش حد هنا خالص .....انا باسم
- اهلاً ازيك وانا سليم ...لا فعلاً معرفش حد هنا انا عامة مباخدش علي الناس بسرعة 

كان رد سليم يوحي برغبته في انهاء الحديث عن قصد او دون قصد ولكن باسم استمر 

-لا كده مينفعش انت بتعيش في الكلية اكتر من البيت فك كده شوية 
- اكيد ...ربنا يسهل ...تشرفت بمعرفتك يا باسم 
- وانا اكتر يا عم سليم 

عامةً كان سليم لا يحب الحديث الي الناس لم يكن تكبر ولكن كان خوفاً كان يري الاشياء البسيطة كالسلام والحديث لاول مرة مع اي شخص ، وكأنه جبل فوق رأسه يضغط عليه حتي يقرر عدم الحديث والاكتفاء بالجلوس وحيداً يتأمل كتاباً او يستمع الي الموسيقي 

تفاجأ من جرأة باسم في اقتحام عالمه وجذبه للحديث فلم يستطع ان يتصرف وبدا غير لبق ومتعجرف حتي ولو لم يقصد هذا

يتبع