الاثنين، 17 فبراير 2014

كوكب مصر (2)

4


احياناً تجلس وحيداً تشعر بالغربة حتي في وجود اقرب المقربين الي قلبك ، هي الحياة تأتي وحيداً وتعيش حياتك وحيداً وتغادرها ايضاً وحيداً ، تحلم بالسفر الي مكان خالي من جميع البشر تمنح فرصة لنفسك كي تفكر في حياتك فيما مضي وما هو قادم ترغب في القليل من الخصوصية مجرد القليل ، تكره ان يشاركك هذه الفترة التي تمنحها لنفسك أي احد حتي من تحب ، لا ينظر احد الي جريدة في يدك او الي محمولك او الي ملابسك ، تكره نظرة التحفز الواضحة في عيون الكثيرين ، الاصوات التي لا تحب سماعها من سباب واصوات تشبه اصوات الحيوانات تهرب منها بوضع سماعة في اذنك و رفع مستوي الصوت الي النهاية ، تكره اذا لمسك اي شخص يجلس بجوارك تتمني لو تستطيع بناء سور حول جسمك يبتعد عنه مسافة متر ولا يقترب منك احد ، تبحث عن حرية مفقودة لا تجدها .



5

تمشي كوثر يومياً فوق كوبري الجامعة تستمع بمنظر النيل تحتها رغم ما يشوه المنظر من حيوانات نافقة وزيت ملقي في النيل من حاويات بضائع ومراكب تنزه باصوات مسفة ، تأمل في استنشاق الهواء العليل ، تأبي ان تستقل حافلة او تاكسي الي الكلية ، تشعر بالاختناق ، هذه التمشية اليومية تكون لها بمثابة شحنة من الطاقة لتحمل المكوث قرابة السبع ساعات ما بين قاعات مزدحمة ودكاترة لا يطيقون الطلبة او الكلية او أنفسهم حتي يشعرون وكأنهم يعطفون علي الطلبة بشرح المناهج ، يتحفزون لأي خطأ بسيط لأي طالب حتي يستمتعون بعقابه بكل سادية ، كانت كوثر تنزعج من هذا كله وفكرت في ترك الكلية المرة تلو الاخري ولكن حال دون ذلك طموحها الذي لا يتوقف ، كانت علي اقتناع تام بأنها سوف تصل الي كل ما تريده بأقل مجهود رغم جميع العقبات التي واجهتها وسوف تواجهها في مجتمع لا يفهم لغة العلم بل يفهم لغة (العالمة) التطبيل والرقص التلاعب بالكرة التلاعب بالمشاعر والاحلام ولقمة العيش هو الوسيلة الوحيدة كي تصل الي مكان مرموق في هذا البلد التعيس .



6

ورغم هذا الجو الذي لا يساعد الا علي كره الحياة واستعجال الهروب من هذا الواقع بالسفر او الموت ، يظهر ما يضيء السماء المعتمة التي تحلق فوق هذه الكلية دكتور مصطفي ، كان انساناً مختلفاً محباً للعلم بشكل خرافي ، عنده حل علمي لكل مشكلة تواجهه لا يشعر باليأس ، وفي نفس الوقت لا يطلق الاشعار في حب بلدته الرائعة اعظم بلاد الكون ام الدنيا التي يحقد عليها العالم كله ويتآمر عليها لاسقاطها من عرشها الوهمي ، هو يعمل ولا يتكلم أو يتذمر ، لا تتخلل محاضراته اي خروج عن نص المادة ولا يمطر من يسمعه بكم الانجازات التي حققها في حياته والتي يجب علي الطلبة ان يتعلمون منها ، كان دائم الابتسامة لا يعرف وجهه الوجوم ابدأ ، في منتصف الثلاثينات كان اخر من تم تعيينه في ترتيب دفعته كان محظوظاً دائماً لا ادري ما السبب في ذلك الحظ ، هل هو نابع من ايمان داخلي بثبات القدر وعدم تغييره ، ام انه لا تهمه هذه الحياة في شئ ، كان نحيفاً جداً تشعر بخروج عظام صدره لتجلس معنا في القاعة ، لا يأكل الا لسد حاجته من الطعام والشراب فقط لا يتأخر عن محاضراته ابدأ مهما كانت الظروف ، كل هذا جعل كوثر تشعر بوجود ثمة امل في قليل من العلم في هذه الفوضي من الجهل .


7

تنهي كوثر محاضراتها وتنتظر صديقتها أمنية التي تدرس في كلية الهندسة وتذهبان معاً الي البيت ، كانت امنية تسكن بجوار كوثر وعاشت كل طفولتها معها حتي وصلتا الي المرحلة الجامعية آخر مرحلة من البراءة والنفوس الطيبة وان قلت ، كانت امنية بعكس كوثر تستطيع ان تتعايش مع كل هذا الجو الغير تعليمي ، تحضر المحاضرات والسكاشن تكتب جيدأ تحقق العلامة الكاملة ولا تسأل عن العلم كانت في قسم ميكانيكا وهذه الميزة الوحيدة لها في اختيارها لهذا القسم الذي ينفر منه الجميع وخاصة البنات ، تتكلمان قليلاً مع بعضهما البعض ، قد لا يحتاجون للكلام اصلاً فهم علي قدر عالي من التفاهم برغم تضارب الشخصيات وتباينها ولكن تحتفظان بسعة في الافق يندر وجودها في هذا الزمان وفي مجتمعاتنا العربية خصوصاً .


يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق