8
تسكت كثيراً تغلق رأسك علي افكارك ولا تسمح لها بالخروج امام من لا يفهمها او يستوعبها تتركها لنفسك واحلامك التي لا تتوقف ، الي ان يقتحم ذلك السكوت من يفجر هذا الشلال من الكلمات من رأسك ويجعله ينساب عليه كالصواعق الي ان يهدأ مرة اخري ويعود الي ذلك السكوت اللذيذ الذي يوفر الجهد والعناء الذي لا طائل منه .
9
عاد سليم الي بيته ليستريح قليلاً ويخلد الي النوم ليعطي لجسمه قسطاً من الراحة قبل معركة الميدتيرم المنتظرة ولكن تأتي الرياح دائماً بما لا تشتهي السفن يدخل البيت ليراه ، آه انه هو من لا يمل من الحديث ولا يستريح ، جمال صديق والد سليم يعيش وحيداً يتردد علي والد سليم من وقت لآخر ، جمال من اسمه نشأ في عائلة تربت علي حب عبد الناصر رئيس مصر الاسبق وزعيم الأمة كما يحلو للكثير من المصريين تسميته ، وفي هذا الوقت كان المصريون يحبون تسميه ابنائهم جمال حباً في جمال عبد الناصر، كان طويلاً وضخم البنية يشبه قوات الصاعقة وقد بدأ الصلع ينتشر في رأسه مع ظهور بعض الشعرات البيضاء عيناه حادتان تحس انها سوف تثقبك اذا ما نظر اليك هادئ كثيراً ما يتعلثم اثناء الحديث ولكنه في نفس الوقت كلماته قوية مؤثرة لا ينفعل الا قليلاً انيق ودائم التعطر يطلق نكات سخيفة لا يضحك بعدها الا هو وحده ولكنه مقتنع تمام انه خفيف الظل ، دخل جمال الجيش كأي شاب مصري وأدي خدمته العسكرية ثلالث سنوات بالتمام والكمال ، كان يعشق الجيش المصري ولا يقبل لأي حد ان يسبه او ينتقده ودائماً ما يتكلم ويجادل ليقنعك ان الجيش المصري لا يخطأ وان الطرف الآخر لابد ان يكون هو المخطأ ، يذكرني بالاخوان في الكلام الكثير والمجادلة فلن تجد من يجادلك اكثر من ذلك الصنفين من البشر لا يكل ولا يمل من الحديث حتي قنعك بوجهة نظره ولو مضطراً لتهرب من الحديث معه .
كان سليم يريد ان يهرب من الموقف وهم مسرعاً الي غرفته فبادره والده قائلاً
- سليم تعالي عمك جمال كان عايز يسلم عليك كان نفسه يشوفك
بادر جمال بالحديث ...ازيك يا سليم عامل ايه في كليتك
- الحمد لله تمام
- الحمد لله يا ابني اهتم بدراستك بقي عشان تنفع بلدك البلد محتاجة اللي زيك
متسمعش كلام الناس اللي بيعملو مظاهرات وبيعطلو البلد دول
احس سليم بنيه جمال في النقاش والجدال فرد مقتضباً
- ان شاء الله يا عمي ربنا يسهل
ولكن صديقنا لا يمل وادار رأسه هذا المره الي والد سليم ثم قال
- عارف ..المشكلة في الشباب انهم مندفعين مبيسمعوش كلام حد الناس الكبيرة عاشت اكتر منكم
احنا شوفنا كتير عشان كده بنخاف علي البلد مش خايفين ولا حاجة زي ما الشباب بتقول
لم يرد سليم وكتم الكلام في نفسه وحاول جاهداً ان يمر الموقف بدون نقاش
- طول عمرنا عايشين في سلام والبلد محروسة من ربنا مهما حاولت اي دولة تحاربنا
الجندي المصري خير اجناد الارض وعندنا احسن صناعة واحسن فلاح الفلاح المصري
لم يستطع سليم الصمود اكثر من هذا ورد بصوت بارد ساخر ملئ بالهدوء
- هو فين الفلاح المصري ده ما خلاص ركب (الدش) ومبقاش فاضي ولا بقي عنده ارض يزرعها حتي
كان قبل 23 يوليو القطن المصري طويل التيلة احسن قطن والبلد كانت نضيفة دلوقتي كل حاجة باظت
وكأنه في لقاء تلفزيونه رد بخبث لسليم ثم تابع ...طيب ارد عليك بقي
- مصر احسن بلد وطول عمرنا بنعلمهم الكسوة بتاعة السعودية دي احنا اللي عاملينها في حرب 73 هزمنا اسرائيل وامريكا
كمان اللي نزلت طيارات جديدة في قلب ساحة المعركة يا ابني شعب مصر في رباط ليوم الدين سيبك من اللي بيتقال
- طيب عملنا ايه بعد حرب 73 مفيش اي تقدم في حاجة والبلد كل يوم بتتحول من سئ لأسوأ
- ماشي انا معاك ان مبارك خرب كتير في البلد بس مش هو الشلة اللي حواليه اللي سيطرت في آخر 10 سنين هي اللي خربت
قال سليم في نفسه "نفس الكلام اللي بسمعه كل يوم في كل حته انا زهقت من الترديد طب خد اللي جاية دي بقي لما اشوف هترد ازاي "
- طيب تفسر بايه لما اتفرج علي حفل تخرج لدفعة قوات بحرية ولا جوية مش فاكر بالظبط وبيغنو لمبارك وبيقولو انت شراعنا وانت امانا وانت سلاحنا ونفاق ملوش آخر
فاجأ السؤال جمال وفكر وتلعثم ثم قال ...الجيش بيعرف يتصرف في أي موقف لو طلبو منه اغنية عن مصر مفيش دقيقة
يجيبو الكلام متعرفش بيجيبوه منين ، لو اتطلب بناء استراحة ساعة واحدة تكون جاهزة رجال المواقف الصعبة دايماً فهمتني ؟!
-بس حضرتك مجاوبتش علي سؤالي
-قصدي ان الجيش لما اتطلب منه اغاني لمبارك عملها بس برضو في الآخر ولائهم للبلد مش للرئيس
- ابتسم سليم ثم قال ...ربنا يستر علينا بعد اذنك انا داخل انام عشان عندي امتحانات
- رايح فين بس مش هنكمل كلام
-بعدين ان شاء الله
10
الحمد لله نجوت من كلامه الذي لا ينتهي انسان يجادل بدون هدف غير الجدال ....نفض سليم الغطاء وصعد الي الفراش ثم حدق الي السقف ،وبدأ يفكر ماذا يدفعه لتحمل كل هذا لابد وان يكون هناك حلاً اما بتغيير الواقع اليذي يعيشه او البحث عن واقع افضل في مكان آخر ، يترك كل شئ ويرحل ماذا يفعل ، فكر في النوم والتركيز في الامتحانات ثم يري ماذا يفعل بعد ذلك
11
في اليوم التالي سليم بعد الامتحان يخرج مبتسماً ضاع القلق من اول امتحان اجاب بكل سهولة علي الاسئلة ، اتصل بوالد يطمأنه ثم عاد الي البيت ، في طريقه سمع صوت ينادي من خلفه ..سليم ...سليم
التفت بوجهه ليري من المنادي ....هي رباب جارته في الطابق الاعلي ام لثلاث اطفال ذهب زوجها لكسب الرزق في السعودية وعاد اليها في صندوق بعد ان قضي العمل عليه ، ترك لها بعض المال وبعد فترة ذهب المال واضطرت للعمل في احد المصانع ولكن العائد كان لا يكفي ، ولم تقدر علي هذا التعفف كثيراً فكانت احياناً ما تلجأ الي سليم ووالده لثقتها بهم ودائماَ يقفان بجابنها
سالت رباب سليم ...سليم معلش انا بتقل عليك بس ممكن تديني 10 جنيه لحد ما اقبض من المصنع
عشان عايزة اجيب اكل لولادي ومعيش فلوس
لم يكن سليم يمتلك غير عشرون جنيهاً لبقية الاسبوع ولكن ما باليد حيلة اعطاها العشرة جنيهات ثم انصرف
عاد سليم الي البيت واستحوذت رباب واطفالها علي جزء من تفكيره وحمد الله علي حاله، فمع كل هذا التذمر وكل هذا هذا الشقاء الذي يعانيه يري من هم اسوأ حالاً منه ولا يجيد الكلام عن الحرية والديموقراطية لا يعرف غير اكل العيش فقط هذا كل ما يستطيع التفكير فيه او يجد وقت للتفكير فيه ، لعن الله كل من وصل بنا لهذا الحال ، رأي والده نائماً فلم يرد ان يقلقه فتح الثلاجة واخرج طبق من الجبن ورغيفان من الخبز واكل ثم اعد لنفسه كوباً من الشاي جلس ليرشفه في البلكونة كعادته ثم ذهب للنوم .
يتبع